القرطبي
198
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فرج عن نبيه صلى الله عليه وسلم بالريح يوم الأحزاب ، فقال تعالى : " فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها ( 1 ) " . ويقال : نفس الله عن فلان كربة من كرب الدنيا ، أي فرج عنه . وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : ( من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ) . أي فرج عنه . وقال الشاعر : كأن الصبا ريح إذا ما تنسمت * على كبد مهموم تجلت همومها قال ابن الأعرابي : النسيم أول هبوب الريح . وأصل الريح روح ، ولهذا قيل في جمع القلة أرواح ، ولا يقال : أرياح ، لأنها من ذوات الواو ، وإنما قيل : رياح من جهة الكثرة وطلب تناسب الياء معها . وفي مصحف حفصة " وتصريف الأرواح " . العاشرة - قوله تعالى : " وتصريف الرياح " قرأ حمزة والكسائي " الريح " على الافراد ، وكذا في الأعراف والكهف وإبراهيم والنمل والروم وفاطر والشورى والجاثية ، لا خلاف بينهما في ذلك . ووافقهما ابن كثير في الأعراف والنمل والروم وفاطر والشورى . وأفرد حمزة " الريح لواقح ( 2 ) " . وأفرد ابن كثير " وهو الذي أرسل الريح ( 3 ) " في الفرقان . وقرأ الباقون بالجمع في جميعها سوى الذي في إبراهيم والشورى فلم يقرأهما بالجمع سوى نافع ، ولم يختلف السبعة فيما سوى هذه المواضع . والذي ذكرناه في الروم هو الثاني " الله الذي يرسل الرياح ( 4 ) " . ولا خلاف بينهم في " الرياح مبشرات " . وكان أبو جعفر يزيد بن القعقاع يجمع الرياح إذا كان فيها ألف ولام في جميع القرآن ، سوى " تهوي به الريح " و " الريح العقيم " . فإن لم يكن فيه ألف ولام أفرد . فمن وحد الريح فلانه اسم للجنس يدل على القليل والكثير . ومن جمع فلاختلاف الجهات التي تهب منها الرياح . ومن جمع مع الرحمة ووجد مع العذاب فإنه فعل ذلك اعتبارا بالأغلب في القرآن ، نحو : " الرياح مبشرات " و " الريح العقيم " فجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب ، إلا في يونس في قوله : " وجرين بهم بريح طيبة " . وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا هبت الريح : ( اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا ) . وذلك لان ريح العذاب شديدة ملتئمة الاجزاء كأنها جسم
--> ( 1 ) راجع ج 14 ص 143 . ( 2 ) راجع ج 10 ص 15 . ( 3 ) راجع ج 13 ص 39 . ( 4 ) راجع ج 14 ص 44 .